محمد بن عبد المنعم الحميري
92
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار
وصبر ابن عبادٍ صبراً لم يعهد مثله لأحد ، واستبطأ يوسف وهو يلاحظ طريقه ، وعضته الحرب ، واشتد البلاء ، وأبطأ عليه الصحراويون ، وساءت ظنون أصحابه ، وانكشف بعضهم ، وفيهم ابنه عبد الله ، وأثخن ابن عباد جراحات ، وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته ، حتى وصلت إلى صدغيه ، وجرحت يمنى يديه ، وطعن في أحد جانبيه ، وعقرت تحته ثلاثة أفراس ، كلما هلك واحد قدم له آخر ، وهو يقاسي حياض الموت ، ويضرب يميناً وشمالاً ، وتذكر في تلك الحالة ابناً له صغيراً ، كان مغرماً به ، تركه بأشبيلية عليلاً ، اسمه العلاء ، وكنيته أبو هاشم ، فقال " متقارب " : أبا هاشم هشمتني الشفار . . . ولله صبري لذاك الأوار ذكرت شخيصك تحت العجاج . . . فلم يثننى ذكره للفرار ثم كان أول من وافى ابن عباد ، من قواد ابن تاشفين ، داود بن عائشة ، وكان بطلاً شهماً ، فنفس بمجيئه عن ابن عباد ؛ ثم أقبل يوسف بعد ذلك ، وطبولة تصدع الجو ، فلما أبصره ابن فرذلند وجه أشكولته إليه ، وقصده بمعظم جنوده ، وقد كان عمل حساب ذلك من أول النهار ، وأعد له هذه الأشكولة ، وهي معظم جنوده ، فبادر إليه يوسف وصدمهم بجمعه فردهم إلى مركزهم ، وانتظم به شمل ابن عباد ، ووجد ريح الظفر ، وتباشر بالنصر ، ثم صدقوا جميعاً الحملة ، فتزلزلت الأرض بحوافر خيلهم ، وأظلم النهار بالعجاج والغبار ، وخاضت الخيل في الدماء ، وصبر الفريقان صبراً عظيماً ؛ ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملةً نزل معها النصر ، وتراجع المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين ، فصدقوا الحملة ، فانكشف الطاغية ، ومر هارباً منهزماً ، وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنةً بقي أثرها بقية عمره ، فكان